سيد قطب

3867

في ظلال القرآن

ويلقون ربهم بعد الكدح والعناء : « وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ وَراءَ ظَهْرِهِ فَسَوْفَ يَدْعُوا ثُبُوراً ، وَيَصْلى سَعِيراً . إِنَّهُ كانَ فِي أَهْلِهِ مَسْرُوراً . إِنَّهُ ظَنَّ أَنْ لَنْ يَحُورَ . بَلى إِنَّ رَبَّهُ كانَ بِهِ بَصِيراً » . . والذي يؤتى كتابه بيمينه هو المرضي السعيد ، الذي آمن وأحسن ، فرضي اللّه عنه وكتب له النجاة . وهو يحاسب حسابا يسيرا . فلا يناقش ولا يدقق معه في الحساب . والذي يصور ذلك هو الآثار الواردة عن الرسول - صلى اللّه عليه وسلم - وفيها غناء . . عن عائشة - رضي اللّه عنها - قالت : قال رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - : « من نوقش الحساب عذب » قالت : قلت : أفليس قال اللّه تعالى : « فَسَوْفَ يُحاسَبُ حِساباً يَسِيراً » . قال : « ليس ذلك بالحساب ، ولكن ذلك العرض . من نوقش الحساب يوم القيامة عذب « 1 » » . . وعنها كذلك قالت : سمعت رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - يقول في بعض صلاته : « اللهم حاسبني حسابا يسيرا » . . فلما انصرف قلت : يا رسول اللّه ، ما الحساب اليسير ؟ قال : أن ينظر في كتابه فيتجاوز له عنه . من نوقش الحساب يا عائشة يومئذ هلك « 2 » » . . فهذا هو الحساب اليسير الذي يلقاه من يؤتى كتابه بيمينه . . ثم ينجو « وَيَنْقَلِبُ إِلى أَهْلِهِ مَسْرُوراً » . . من الناجين الذين سبقوه إلى الجنة . . وهو تعبير يفيد تجمع المتوافقين على الإيمان والصلاح من أهل الجنة . كل ومن أحب من أهله وصحبه . ويصور رجعة الناجي من الحساب إلى مجموعته المتآلفة بعد الموقف العصيب . رجعته متهللا فرحا مسرورا بالنجاة واللقاء في الجنان ! وهو وضع يقابل وضع المعذب الهالك المأخوذ بعمله السيئ ، الذي يؤتى كتابه وهو كاره : « وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ وَراءَ ظَهْرِهِ فَسَوْفَ يَدْعُوا ثُبُوراً . وَيَصْلى سَعِيراً » . . والذي ألفناه في تعبيرات القرآن من قبل هو كتاب اليمين وكتاب الشمال . فهذه صورة جديدة : صورة إعطاء الكتاب من وراء الظهر . وليس يمتنع أن يكون الذي يعطى كتابه بشماله يعطاه كذلك من وراء ظهره . فهي هيئة الكاره المكره الخزيان من المواجهة ! ونحن لا ندري حقيقة الكتاب ولا كيفية إيتائه باليمين أو بالشمال أو من وراء الظهر . إنما تخلص لنا حقيقة النجاة من وراء التعبير الأول ؛ وحقيقة الهلاك من وراء التعبير الثاني . وهما الحقيقتان المقصود أن نستيقنهما . وما وراء ذلك من الأشكال إنما يحيي المشهد ويعمق أثره في الحس ، واللّه أعلم بحقيقة ما يكون كيف تكون ! فهذا التعيس الذي قضى حياته في الأرض كدحا ، وقطع طريقه إلى ربه كدحا - ولكن في المعصية والإثم والضلال - يعرف نهايته ، ويواجه مصيره ، ويدرك أنه العناء الطويل بلا توقف في هذه المرة ولا انتهاء . فيدعو ثبورا ، وينادي الهلاك لينقذه مما هو مقدم عليه من الشقاء . وحين يدعو الإنسان بالهلاك لينجو به ، يكون في الموقف الذي ليس بعده ما يتقيه . حتى ليصبح الهلاك أقصى أمانيه . وهذا هو المعنى الذي أراده المتنبي وهو يقول : كفى بك داء أن ترى الموت شافيا * وحسب المنايا أن يكنّ أمانيا

--> ( 1 ) أخرجه البخاري ومسلم والترمذي والنسائي . ( 2 ) رواه الإمام أحمد - بإسناده - عن عبد اللّه بن الزبير عن عائشة . وهو صحيح على شرط مسلم . ولم يخرجه .